ابن النفيس
15
الصيدلية المجربة ( الموجز في الطب )
خصائص الإنسان وهي : ضالته يبحث عنها حيثما يجدها يضيف إليها وينهل من نتاجها خيرا لحياته واتساعا في رزقه وزيادة في رفاهيته . أقول : كانت المعرفة في تلك الحقبة من تاريخ البشرية مبعثرة شرقا وغربا وشمالا ، ولم يكن ليجمعها إلا نهضة ظهرت في الجزيرة العربية وما حولها ، حولت العرب الرحّل دائمي التنازع والحروب ، حولتهم إلى دولة مستقرة تدعو إلى التقدم فانتشرت الرسالة بقوة الإيمان واستقامة حامليها وربطت منابع المعرفة والتقدم وصهرتها في حضارة انتشرت باسم « الحضارة الإسلامية » ، وكان لتلك الحضارة رواد وقادة أفذاذ في كافة دروب المعرفة . وإن ذكرت دروب المعرفة فخير ما أبدأ به هذه المقدمة قول مؤرخ كريم هو المرحوم الأستاذ الدكتور بول غليونجي المفكر المصري في تقديمه لكتيب عن ابن النفيس : « لكل درب من دروب المعرفة ثلاثة أركان وثلاثة أوجه : فلسفة وفن وابتكار ، والطب فلسفة وتأمل ، نطس فني ، وابتكار وعلم واستكشاف . ولئن امتاز ابن سينا والرازي وابن النفيس كلّ في ضلع من ضلوع المثلث فإن ابن سينا كان في هذا الثالوث فيلسوفا عميقا ، والرازي كان نطاسيا ماهرا وإكلينيكيا فذا ، أما ابن النفيس فكان عالما مجددا مبتكرا في فكر يكشف أسرارا غامضة من أسرار جسم الإنسان ، وكان بين العرب خاتمة هؤلاء الذين أزاحوا الستار عن بعض الوظائف الفسيولوجية بانيا استنتاجاته على أسس راسخة من الملاحظات الدقيقة والمنطق والبحث العلمي السليم » . وقد سلك في كتاب « شرح التشريح » نهجا جديدا جعله من مبتكري علم التشريح علما مستقلا . من هنا يمكن بنظرة فاحصة نرى أن ابن النفيس قد عاش في القرن الثالث عشر في بداية عصر النهضة الأوروبية التي كانت سمتها ظهور الجامعات وتطورها بداءا من إسبانيا وصقلية ثم باليرمو وبدوا في إيطاليا وكان المنبع في جامعات طليطلة وقرطبة ، ومنها انتقل العلم إلى صقلية ثم باقي مدارس إيطاليا ثم انتقل منها إلى دول أوروبا الأخرى .